السيد كمال الحيدري

400

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

هذا السياق خير شاهد بل خير دليل على أنّ هذه الخلافة عن الله سبحانه لاعن غيره من الموجودات كما احتمله بعض . فقوله جلّ وعلا : إِنِّى جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِ خَلِيفَةً ؛ يعنى به خليفة عن نفسه ( جلّ وعلا ) لا خليفة عن قوم آخرين انقرضوا ، وجاء الإنسان لكي يخلفهم . في ضوء اتضاح مفهوم الخلافة وعمّن يؤدّى الإنسان دوره في الخلافة على الأرض ، تحتّم أن يكون ثَمّ ضرب من السنخية بين هذا الخليفة والمستخلِف . بتعبير آخر : لمّا كان الله تعالى مشتملًا على الأسماء الحسنى كلّها : وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى « 1 » وله الصفات العليا بأجمعها ، فلابدّ أن يكون الخليفة المرتقب حاكياً من استخلفه في صفاته وأعماله ، وأن يكون متخلّقاً بأخلاق الله لا يريد إلّا ما أراده ولا يفعل إلّا ما ارتضاه ، وحسب القرآن الكريم يلزم أن يكون مصداقاً لقوله بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ « 2 » .

--> ( 1 ) الأعراف : 180 . ( 2 ) الأنبياء : 27 26 . يمكن تقريب هذه الصفة للخليفة من النصّ الروائي ، فحيث حمل بعضٌ مظهرية النبىّ وأهل البيت للاسم الأعظم على التفويض ، جاءت النصوص الروائية تنفى هذا الأمر نفياً قاطعاً وتستنكره ، وتؤكّد أنّ المشيئة لله أوّلًا وآخراً ؛ ففي نصّ عن الإمام عليه السلام قال : « كذبوا ( يقصد المفوّضة ) بل قلوبنا أوعية لمشيئة الله فإذا شاء شئنا ، والله يقول : ( وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ ) ( الدهر : 30 ) ينظر : بحار الأنوار ، ج 25 ، الباب 10 ، ح 16 ، ص 337 . وهذا تعبير عن ضروب المسانخة بين المستخلِف وخليفته بحيث يحاكى الثاني الأوّل ، فالخليفة لا يريد إلّاما يريده الله ولا يفعل إلّا ما ارتضاه . / / انطلاقاً من هذه النقطة وتأسيساً عليها نطلّ على الأحاديث الكثيرة المنقولة عن الفريقين التي تنصّ بأنّ الله سبحانه يرضى لرضا فاطمة ( سلام الله عليها ) ويغضب لغضبها . ذلك أنّ رضاها وغضبها هو رضا الله وغضبه ، ورضا رسوله وغضبه . ففي النبوىّ الشريف أنّ النبىّ ( صلّى الله عليه وآله ) أخذ بيد فاطمة وقال من جملة حديث : « من آذاها فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله » . وعن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام : « إنّ الله عزّوجلّ ليغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها » ، كما عنه أيضاً : « يا فاطمة إنّ الله ليغضب لغضبك ويرضى لرضاك » . ينظر صيغ هذه الأحاديث ومصادرها من كتب الفريقين : فاطمة الزهراء بهجة قلب المصطفى ، أحمد الرحماني الهمداني ، ط 2 ، 1993 ، ص 46 فما بعد ومواضع أخرى . يعزى هذا الترابط الوثيق بين رضا فاطمة وغضبها وبين رضا الله ( جلّ جلاله ) وغضبه ، إلى أنّ الزهراء صارت لا تريد إلّا ما يريده الله ولا تغضب إلّا لما يغضب الله ، وهو ما يدلّ عن المسانخة والمحاكاة بين المستخلِف وخليفته .